الناس بين طيب وشرير

1438

بقلم: سلمى شعبان

بالأمس كنت أحادث إحدى صديقاتي، حينما علقت على زيادة وزني الفترة الأخيرة، متهكمة أنني “تخنت قوي في الأجازة”. متوقعة بسخريتها أن السبب هو وجودي في مصر مع الأحباب والأصحاب. بنظرة غير مريحة وابتسامة مفتعلة أزعجني تعليقها. فعلى الرغم من أن كل أنثى على وجه الأرض تكره أن يذكرها أي من كان بسمنتها، أو بأي شيء ينتقص من أنوثتها، توقفت قليلاً مع تعليق صديقتي لأفكر هل الناس مقسمة بين طيب وشرير فقط.

الناس بين طيب وشرير

إذا ما كان هذا الأمر قد حدث قبل بضعة أشهر، كنت على الفور سأنقل صديقتي تلك من خانة الطيب إلى خانة الشرير. فكيف لها أن تجرؤ على التحدث عن أمر تعلم أنه يزعجني؟ وعليه، فهي حتمًا تتعمد إيذائي لفظيًا، لسبب ما لا أعلمه، ولكنه على الأرجح يظهر لي أنها لا تخاف إيذائي لفظيًا. ولكنني توقفت قليلاً لأجد أنني أهتم كثيرًا برأيها، وانطباعها الذي يحوى ما يحوي من مشاعر، دون أي داعٍ لذلك. وأن عليَّ أن أتوقف عن وضع كل من هم حولي في خانتي أبيض وأسود. طيب وشرير محب وحاقد.

لذة السخرية

أيقنت أن ما علقت به تلك الصديقة، ما هو إلا انعكاس لطبيعة شخصيتها، ومستوى صحتها النفسية الحقيقي، فهي تجد لذة في السخرية من الآخرين، لتجد نفسها مميزة وأفضل. وأنا أنتظر أن يراني الجميع بمظهر يليق بي، وأتوقع أن رأيهم مجدٍ وذو قيمة. توقفت مع نفسي وأدركت أن كلنا مزيفون، وأن الآخرين، بما فيهم أنا، نحمل أطيافًا عدة من ألوان قوس قزح، تتدرج من الأبيض إلى الأسود الحالك، ويغلب عليها الرمادي. أتقبل وبشدة أن الفرد الواحد بداخله طيب وشرير وأن عليَّ أن أتقبل الطيب وأمتن له، وألا أتوقع عدم وجود القبيح. فليس الجميع أسوياء بالضرورة. وليس الجميع أصدقاء بحق.

الجانب الرمادي في الناس

تساءلت كثيرًا وتحاورت مع نفسي، لمٍ نسعَ لنيل رضاء الآخرين واستحسانهم، حتى وإن كان استحسانهم غير مُجدٍ وغير ضروري لنا. مجرد تعليق من شخص، مهما زاد أو قل حجم علاقتك به، قد يخرب يومك ويزيدك همومًا. ننتظر تقدير الآخرين وتعاطفهم، بل ونجزل العطاء والحب لهم من أجل هذا، لنصطدم بنفس الحائط في كل مرة، ذلك الجانب الرمادي. تلك البقعة السوداء التي تحمل المشاعر الطبيعية عند كل إنسان، فبداخل كل منا دكتور جيكل ومستر هايد. طيب وشرير.

كلنا نمتلك وجوهًا عدة مع أشخاص عدة، بل ومع نفس الأشخاص دون أن ندري. ولكن هل ندرك أن أهم ركائز الصحة النفسية هي قدرتك على انتقاء وتحديد ما يجب أن تصدقه وما يجب أن يؤثر عليك أم لا. كنت أتصور أن الجميع طيبون إلى أن يثبت العكس، الناس مقسمة بين طيب وشرير، وكنت أبني جل علاقتي بالآخرين على هذا المبدأ، فأصطدم بالكثير منهم، وأعاود الكَرَّة من جديد، دون أن أتعلم. ولكنني في النهاية أدركت أن كل منا داخله نصف طيب ونصف شرير. وأن  الحكم على الآخرين بأفعالهم وأقوالهم يظلمهم، أما تقبل الآخرين بزلاتهم وعثراتهم يجعلنا نمضي ونتغاضى عما يزعجنا، دون أن يعكر صفو مشاعرنا. هو فقط يذكرنا أن الآخرين بشر، والبشر لم ولن يتصفوا بالكمال مهما حدث.

المقالة السابقةحدوتة عروسة الإبر والقنفذ الذكي
المقالة القادمةحماية الأطفال: بين الرقابة واختراق الخصوصية
كلامنا ألوان
مساحة حرة لمشاركات القراء

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا