نوستالجيا: عندما غلبني الحنين للماضي

1318

بقلم: رودينا عادل

بالأمس رأيت حلمًا هادئًا، شعرت فيه بشيء من الطمأنينة، هدوء غريب اجتاح بيتي القديم، حيث رأيت نفسي في الصالون المذهب أتأمل المكان، كان البيت وكأني تركته بالأمس، وليس منذ سنوات بعيدة، رأيت تفاصيله بدقة، رأيت البلكون يتخلله ضوء النهار وخاليًا من الكراكيب، رأيت مقاعد الصالون بنقوشه الخضراء الزيتية ورونقه الذهبي، يقال إن الحلم بالبيت القديم تفسيره الحنين إلى الماضي، ربما يكون في ذلك شيء من الحقيقة، ففي كل مرة أرى فيها مثل ذلك الحلم أصحو وفي فمي شيء يشبه طعم البيوت القديمة، شيء يشبه النوستالجيا.

ما هي النوستالجيا؟

كلمة يونانية توصف التوق الشديد إلى الماضي بكل ما تحمله من فرح وألم وضحك وعشرة قديمة وأهل وصحبة وحب زمان، تقلب في أشيائك القديمة حيث دهشة تعتريك حين تجد صورة مخبأة بين صفحات كتاب، وتنتبه أن أول مرة رأيت فيها حبيبتك كانت منذ عشرين عامًا، تتساءل أين هي الآن وكيف أصبحت، تتذكر حين رأيتها أول مرة، تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر البني الداكن المموج والعينين العسليتين، تتذكر خفقان قلبك حين التقت أعينكما، تتذكر حين تعاهدتما على البقاء معًا لآخر العمر، ولكن كان للقدر كلمة أخرى، ولم يبق من تلك الذكرى إلا تلك الصورة مخبأة بين طيات كتاب.

شيء من الطمأنينة تشعر به حين تذهب إلى مكان من الماضي ولو في الخيال، فتلك ليست المرة الأولى التي أرى فيها البيت في المنام، ولكن أصبح الأمر اعتياديًا كشيء أصبح جزءًا مني، المدهش هو أنني أرى كل شيء بتفاصيله، تدهشني تذكر كل تلك التفاصيل وكأني ما زلت هناك ولم أبارح ذلك الزمان قط، رأيت غرفة نوم والدي، لامست يداي كل أثاث الغرفة، الدولاب، السرير، الهاتف الرمادي ذا القرص، التفت ناحية الجدار المواجه للسرير ونظرت إلى صورة زفافهما الأبيض والأسود ذات الإطار المذهب، تأملت الصورة مليًا، كان أبي وسيمًا يرتدي بذلة كلاسيكية برابطة عنق، وكانت أمي في غاية الجمال وترتدي فستانًا طويلاً بأكمام طويلة ومفصلاً من قماش الجوبير ومطرزًا بورد من الوسط لأسفله، يعلو رأسها طرحة من التل مثبتة بتاج من الورد، وقد تركت شعرها الأسود الطويل منسدلاً زادها جمالاً أخاذًا، وكانت تحمل جيرب من الورد الصناعي الأبيض والروز الهادئ، كانت جدران الغرفة مغطاة بورق حائط منقوش ذي لون وردي بسيط.

اقرأ أيضًا: اغتسل من ذكرياتك.. إن استطعت

كيف غلبني الحنين؟

مشاعر مختلطة من الحزن والسعادة حين أستعيد ذكريات ماضٍ لن يعود، سعادة لأني عشت نوعًا آخر من الحياة، وحزن على أيام لن تتكرر، أتذكر غرفتي الدافئة المغمورة بأشعة الشمس، يحتل في ركن قصي منها مكتبة مليئة بالكتب والروايات والشرائط، ثلاثية نجيب محفوظ بين القصرين، السكرية، وقصر الشوق، روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، سلسلة ألف ليلة وليلة، روايات زهور وعبير، قصص مكتبة الأطفال الخضراء، كتب الطبخ والحلويات، قواميس اللغة الإنجليزية والفرنسية، شرائط كاسيت كثيرة لحليم وأم كلثوم ومنير وفيروز.

وفي ركن آخر من الغرفة دولاب صغير يكتظ بألبومات الصور العائلية، أجملها كانت صورة لجدتي على شاطئ البحر حين كانت في الثامنة عشر من عمرها تشع ملامحها بجمال أخاذ تباري نجمات السينما العالمية، أتذكر حين كنت أتلمس أشعة الشمس تتسلل باستحياء بين الشيش وترسم خطوطًا من الظلال على غرفة التليفزيون التي كنا نجلس بها أغلب الأوقات نشاهد أفلام الأبيض والأسود، أتذكر إفطار الطعمية الساخنة والشاي بلبن ومكعبات السكر وجريدة الأهرام وبريد الجمعة، وتلك الرائحة المألوفة التي تفوح بين أركان البيت، وصوت الراديو المنبعث من المطبخ، حيث كانت أمي تستمع إلى برنامجها المفضل.

أتذكر علبة شوكولاته ماكنتوش الشهيرة ذات اللون البنفسجي، والتي كانت تخصصها أمي بعد ذلك لعلبة مليئة بالخيوط والإبر، أتذكر حضن أبي وصوته الهادئ ومتعلقاته القديمة، تفاصيل صغيرة لكنها تمثل عمرًا ثانيًا، عشته ولمسته وأحببته، وتهتز قلوبنا حين نسأل أنفسنا كيف مر العمر هكذا، كأننا كنا في غفلة ما، وكل ما تبقى منها براويز صور.

في لحظة ما من عمرنا ننتبه فجأة أن الأيام قد ولت، وأن السنوات قد جريت وكأنها في سباق، برغم أننا نتذكر أحداثًا قد مر عليها سنوات كثيرة، إلا أننا نسردها وكأنها قد حدثت بالأمس، فمع تلك الأحلام تأتيني ومضات من الذاكرة، كأنها صور التقطت لناس عزيزة وأماكن دافئة وروائح مألوفة وأصوات رنانة، وأشياء تعيدني إلى ماضٍ حقًا أحن إليه، ويبقى السؤال: إلى أي ماضٍ أحن؟ هل أحن إلى طفولتي حيث أبى وأمي وبيتنا القديم وبيت جدتي ومصايف الإسكندرية وبساطة الحياة وكتابة الرسائل وصوت الراديو وأعياد الميلاد، أم أحن إلى نفسي القديمة حين كان القلب يهفو ويأمل.

اقرأ أيضًا: إلى بيت جدي العزيز

المقالة السابقةعندما تكون العزلة من مظاهر الحياة
المقالة القادمةخلي بالك من زيزي: الذات الحقيقية والذات المزيفة
كلامنا ألوان
مساحة حرة لمشاركات القراء

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا