الساخرون من كورونا: استهتار أم حيل دفاعية

2674

أنا بضحك في وش المخاطر

اعتدت أن أواجه مشكلاتي بالضحك، خصوصًا تلك التي لا حيلة لي معها، حتى أصبح أصدقائي المقربون يكتشفون بسهولة أنني أعاني من خطب ما، بمجرد قراءة منشوراتي الساخرة على فيسبوك. عانيت كثيرًا من الوصم بأنني لا أبالي، أو أنني شخص يسيء تقدير الأمور، إلا أنني لم أستطع التوقف يومًا عن إشهار سلاح الضحك في وجه أزماتي، حتى عندما حاولت، وهو ما يحدث حاليًا في مواجهة فيروس كورونا المستجد.

أنا وكورونا وثالثنا الضحك

أتابع باهتمام شديد كل أخبار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، الذي قضَّ مضجع العالم بأسره، وأصبح محورًا رئيسيًا لمواقع الأخبار، ومواقع التواصل الاجتماعي، الحقيقة أنني لا أتابع باهتمام وحسب، بل أنني لا أستطيع التوقف عن المتابعة. وعلى الرغم من أنني لا أكاد أغلق مواقع الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، فإن ما يظهر على حساباتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، قد يظهر غير هذا، فأغلب المنشورات ساخرة، سواء من بعض الظواهر المرتبطة بفيروس كورونا أو منشورات أخرى لا علاقة لها بالأزمة.

قد يظهر هذا للبعض أنني لا أهتم كثيرًا، ولآخرين أنني لا أعاني من التوتر والقلق، وبالنسبة لفريق ثالث، فقد تمثل لهم منشوراتي نوعًا من الاستهتار بالأزمة. إلا أنني أتابع جميع المنشورات والأخبار، لا أصدق سوى البيانات الرسمية، ولا أنشر سوى الأخبار الإيجابية، والكثير من الضحك.. بينما أحمل داخلي الكثير والكثير من القلق والتوتر.

ولكنكم تحبون الخواجة

في ظل متابعتي للمنشورات السائدة عن أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فإنني أرى أن المنشورات تنوعت بين: منشورات تبث الذعر في قلوب المتابعين، ربما تدل على قلق أصحابها الشديد، أو أنها تحمل معلومات خاطئة وشائعات فحسب. ومنشورات تحمل الكثير من الطمأنينة، التي قد يصل بعضها إلى حد إنكار الأمر من الأساس.

بالطبع هناك منشورات ساخرة، بعضها من سلوكيات البشر في التعامل مع الأزمة، وبعضها من الأزمة نفسها، فيما يشبه منشورات الإنكار، ومنشورات تركز على الأخبار الإيجابية، مثل حالات الشفاء، وأيضًا طرق الوقاية من الإصابة، بالإضافة إلى بعض النصوص المقدسة التي تبث الطمأنينة في النفوس. كما ظهرت بعض المنشورات التي تحمل نوعًا من الطاقة الإيجابية، في نشر مقاطع مصوَّرة لمواطنين إيطاليين يقفون في الشرفات، يمارسون الرقص والغناء بصوت عالِ، كنوع من الدعم النفسي الذاتي، ورفع الروح المعنوية بعضهم لبعض. تلاها مقاطع مصوَّرة مشابهة للشعب اللبناني، وبالطبع حملت هذه المقاطع تعليقات لطيفة تشير إلى مدى حب هذه الشعوب للحياة.

بينما أشاهد هذه المقاطع المصوَّرة المبهجة، والتعليقات التي تُشيد بالشعوب التي تواجه الأزمات بالأمل، وتتمسك بالحياة، كدت أجن من التناقض الشديد في التعامل مع سلوك الشعوب. أليس الضحك طريقة للدعم الذاتي، من أجل تعزيز القدرة على مواجهة الأزمة؟! ألسنا شعبًا محبًا للحياة أيضًا بضحكاتنا و”قفشاتنا” التي تنفجر أمام كل أزمة، لتعلن بوضوح أن هذا سلوكًا دفاعيًا ندعم به أنفسنا لنخفف من وطأة القلق والتوتر، وأن استخدام الضحك لا يعني بالضرورة استهتارًا أو لا مبالاة؟!

الحيل الدفاعية استهتار أم دعم ذاتي؟

الحيل الدفاعية تشبه مسكنات الألم، ربما لا تعالج المرض، إلا أنها تخفف الشعور بالألم

أَسَّس سيجموند فرويد نظرية الحيل الدفاعية، ليفسر سلوكيات البشر المختلفة في مواجهة الأزمات، حيث إن الحيل الدفاعية هي إحدى الوسائل التي قد يستخدمها الشخص من أجل تخفيف وطأة المشاعر السلبية، مثل القلق والتوتر، وهي مجرد حيلة لا شعورية ينتهجها البشر من أجل الحصول على بعض الراحة النفسية، عند مواجهة أزمات كبرى لا حيلة لهم فيها.

ببساطة فإن الحيل الدفاعية تشبه مسكنات الألم، ربما لا تعالج المرض، إلا أنها تخفف الشعور بالألم. وبالتالي فإن استخدام حيلة دفاعية للتخفيف من حدة التوتر، لا يعني أن الشخص مستهتر، وإنما يحاول تهدئة نفسه بطريقته الخاصة، والتي قد لا تناسب أشخاصًا آخرين.


أهمية الحيل الدفاعية في مواجهة أزمة كورونا

القلق الشديد يضعف جهاز المناعة في الجسم، وهو ما نحتاج إليه بشدة لمواجهة أزمة فيروس كورونا المستجد. فهذا الفيروس الذي يقلق البشرية بأكملها، يقف عاجزًا أمام الجهاز المناعي القوي

على الرغم من توصيات منظمة الصحة العالمية بالابتعاد عن مصادر الأخبار التي تسبب إزعاجًا، وتعزز مشاعر القلق داخل الفرد، من أجل الحفاظ على الصحة النفسية، فإن من الصعب إغلاق مواقع الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا الوقت الصعب، فالفضول صفة بشرية، كما أن جزءًا من الخوف يتولد من الرؤية الضبابية للموقف. أي أن المجهول يصيبنا بالقلق، ومتابعة الأخبار تصيبنا بالقلق أيضًا، فماذا نحون فاعلون؟!

أولاً السبب في توصيات منظمة الصحة العالمية، هو أن القلق الشديد يضعف جهاز المناعة في الجسم، وهو ما نحتاج إليه بشدة لمواجهة أزمة فيروس كورونا المستجد. فهذا الفيروس الذي يقلق البشرية بأكملها، يقف عاجزًا أمام الجهاز المناعي القوي. لهذا فهو يظهر بصورة طفيفة على الأطفال، ويتمكن الشباب من مقاومته، بينما يفتك بكبار السن وأصحاب المناعة المتهالكة.

مما سبق يتضح أننا بحاجة ماسة إلى تقوية أجهزتنا المناعية، والابتعاد عن عوامل إضعافها، مثل التدخين أو العادات غير الصحية، وبالطبع الابتعاد عن القلق الزائد. وهذا يعيدنا إلى الحيل الدفاعية، التي تعد طريقة مهمة جدًا في مواجهة فيروس كورونا المستجد حيث تساعد الحيل الدفاعية على تهدئة النفس، وبالتالي الحفاظ على كفاءة الجهاز المناعي، وهو السلاح الأقوى ضد كورونا.

الحيل الدفاعية في مواجهة الاستهتار

هناك شعرة بين استخدام الحيل الدفاعية والاستهتار، فاستخدام حيل دفاعية لمواجهة أزمة، يعني أن الشخص يشعر بالقلق، مما يدفعه لاستخدام طريقة مستترة للتغلب على قلقه، ولكن هذا لا يمحو القلق من داخله بالكامل، وبالتالي فهو يحافظ على هدوئه، ولكنه يتعامل مع الأزمة بوعي، أي أنه يطبق طرق الوقاية من المرض، ليحافظ على حياته، وحياة من حوله. أما الشخص المستهتر، فلا يبالي بطرق الوقاية، وقد ينفي أن هناك خطرًا من الأساس، لهذا فهو عنصر شديد الخطورة في الأزمات، لأنه لا يقاوم، بل قد يكون سببًا في تدهور الوضع.

الحيل الدفاعية وتقبُّل الآخر

نأتي هنا للنقطة الأخيرة والتي لا تقل أهمية عما سبق، وهي أهمية تقبُّل طرق الآخرين في التعامل مع الأزمات، وعدم وصم الآخر لمجرد أنه يستخدم طريقة مختلفة، ما دام يتبع إجراءات الوقاية، ولا يمثل خطرًا على الآخرين. بمعنى أن ما سبق يوضح أن لكل شخص تركيبة نفسية مختلفة عن الآخرين، ولكل شخص طريقة مختلفة في مواجهة الأزمات، من أجل التخفيف عن نفسه، وشحذ كامل طاقته للمقاومة والنجاة، وبالتالي فإن اتهامه بأنه غير مُقدِّر لحجم الأزمة، يشكّل ضغطًا إضافيًا عليه، وهو آخر ما نحتاجه جميعًا في هذا الوقت.

لهذا فإن التوازن مطلوب، بين نشر الوعي بين أفراد المجتمع، والعمل على تصحيح مسار الأشخاص الذين يتعاملون مع الموقف باستهتار، وفي نفس الوقت تقبُّل الآخر، ومراعاة الطرق المختلفة التي ينتهجها البشر في مواجهة الأزمات.

اقرأ أيضًا: فيروس كورونا: الوهم نصف الداء.. الوعي نصف الدواء

المقالة السابقةفيروس كورونا: الوهم نصف الداء.. الوعي نصف الدواء
المقالة القادمةعن النضج والخسارة وأشياء أخرى

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا