شوارعنا زمان: رقي وهدوء وراحة بال

1836

بقلم: حسناء أحمد عبد الحميد

شوارعنا
صورة لشارعنا من جوجل

لاقيت الصورة دي لشارعنا على جوجل، الحقيقة إن الصورة استوقفتي وأخدت عيني لدقائق، دقائق مر فيها شريط عمري كامل. في الشارع ده عمارتنا، عمارة بابا الجميلة، العمارة الكلاسيك ذات اللون البيج في النبيتي واللي أسسها على ذوقه، مكونة من خمس طوابق، ولنا فقط، فقد أصر والدي دائمًا إنها ملكنا الخاص، ولا يسكنها غيرنا حفاظًا لنا على أكبر قدر من الخصوصية والهدوء، وقد كان، وفعلاً عيشنا داخلها على الهدوء والضحكة الحلوة وراحة البال، وكنا وما زلنا محظوظين بجيران محترمين وولاد أصول. زي كل شوارعنا زمان.

في نفس الشارع كانت مدرستي من ابتدائي لثانوي. سرحت في الصورة وشوفتحسناء” وهي بتصحى الصبح للمدرسة على أغنيةيا حلو صبح يا حلو طل”، في برنامجصباح الخير يا مصر”. كان جديد وقتها، أعتقد إنه بدأ في نهاية التسعينات وأنا في المرحلة الابتدائية.

حتى مشاكل زمان غير

أكبر مشكلة كان ممكن تؤرقني في الأيام دي، ولأني كنت فاشلة جدًا في الرسم وما زلت، إن ميس الرسم مثلاً تكتشف إن موضوع الرسم مش رسمي، وإن حد من إخواتي الكبار هو اللي رسمه. مشاكلنا وهمومنا كانت صغيرة جدًا، ومع ذلك كنا بنتمنى نكبر، مكناش نعرف وقتها إننا طبيعd لازم هنكبر، بس هيروح مننا راحة البال والهدوء، وحاجات كتير حلوة كل يوم بنفقدها، بسبب زحمة الحياة والضغوط وحاجات تانية كتير.

طبعًا الشارع زمان كان أجمل كتير، قبل ما تتبني كل الأبراج العالية دي، اللي حجبت عننا بشكل كبير منظر النيل الجميل، واللي تمن الشقة في أي برج منهم لا يقل عن ٢ مليون جنيه، حتى فيلا المحافظ اللي على بُعد أمتار مننا كانت بشكلها الكلاسيكي الجميل قبل كل التعديلات المودرن دي عليها برضو أجمل كتير. وقصر المنزلاوي باشا اللي باين جنب منه في الصورة كان لسة برونقه وجماله، لأن أهله رغم هجرتهم لروسيا كانوا معتادين على زيارته بشكل سنوي والاهتمام بيه.

مش الشارع بس اللي اتغير

بس الحقيقة مش الشارع بس ومعالمه هي اللي اتغيرت، الناس نفسها اتغيرت، الشياكة في التعامل والذوق والود والاحترام والأصول مبقوش موجودين ف معظم الناس، إلا من رحم ربي. ولكن وسط كل ده، وسط كل هذا الزخم من متغيرات الحياة، لاقيت إني لسة محافظة على نفس الروح الطفولية، لسة قادرة أتعامل بنفس الأصول اللي اتربيت عليها. مبقدرش أبدًا أنسى موقف حلو، مهما كانت بساطته من حد معايا، مهما جات وراه مواقف مش لطيفة، من نفس الشخص، بفضل برضو فاكراله الحلو، بعدي وأفوت كتير، وبسامح أكتر، بزعل آه، بس مع أول كلمة حلوة بنسى كل اللي فات. بس أحيانًا فيه مواقف معينة بحتاج أهدا وأبقى لوحدي، ومتكلمش حتى مع اللي مزعلني في اللي مزعلني عشان حتى مضايقهوش.

نربي عيالنا تربية زمان

بتمنى من كل قلبي نقدر نرجع زي زمان، نرجع نغرس في أولادنا الصغيرين روح الود والاحترام والألفة، نزرع جواهم تقبل ثقافة الاختلاف في الرأي مع الآخر دون التعصب في الرأي، نربيهم على أهمية صلة الرحم، وإن قد إيه الوقت اللي بتقضيه وسط عيلتك ده مهم جدًا، وإن زيارتك لقرايبك دي مش بس واجب أو شيء مفروض عليك، لأ بالعكس، إنت لازم تعمل ده بدافع الحب والمودة واللمة الحلوة، وإن الضحكة الحلوة اللي بتترسم على شفايفك وإنت بين أهلك وناسك دي تساوي كنوز الدنيا.

نرجع نربيهم على الفن الراقي، نرجع نسمعهم موسيقى راقية، نعلمهم فنون، نكتشف المواهب اللي جواهم وننميها، والأهم من كل ده نرجع نسمعهم، نسمع تفاصيلهم الصغيرة، نسمع حواديتهم، نسمع مشاكلهم، وترجع أسرنا زي زمان تتلم على سفرة واحدة للغداء، ترجع روح الحب والمودة بينا تاني.

بتمنى من كل قلبي يرجع الدفا بين حيطان بيوتنا، يرجع الأمان لقلوبنا، وترجع راحة البال لعقولنا، وترجع البسمة الحلوة كمان تحلي ملامح وشوشنا.

المقالة السابقةهل ما تسعى إليه يسعى إليك حقًا؟
المقالة القادمةنصائح واقعية للحفاظ على كوكب الأرض من البلاستيك
كلامنا ألوان
مساحة حرة لمشاركات القراء

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا