لسه جميلة ..عرض ازياء محاربات السرطان

522

أعترف أنني لم أتحمس في بداية الأمر؛ كيف يمكن لسيدة تعاني من السرطان وحدها بعد أن طلقها زوجها وتركها تعافر وحدها المرض والفقر بطفلين في المراحل الدراسية المختلفة، وتعيش على ما تجمعه من أهل الخير، أن تنفق جزءًا من دخلها (القليل أصلاً) في شراء حذاء وأكسسوارات لتحضر به حفلاً ليس مهمًا على الإطلاق.. كنت أرى أن هذا تضييع وقت وإسراف ليس له أي داعٍ.

 

بداية الحكاية كانت في الإسكندرية.. مدينتي، تلك السيدة تربطها بعائلتي روابط وثيقة، أعرفها جيدًا وأعرف حكايتها بالتفصيل، كنت أسمع منها عن سعادتها بمجتمع “الجمعية المصرية لمكافحة السرطان”، الجمعية التي أعطتها دعمًا معنويًا هائلاً في كل مرة يطلبون منها فيها أن تتحدث عن تجربتها أو تقوم بتشجيع مريضات أخريات، أصلاً لا يسمينَّ أنفسهن مريضات، يسمين أنفسهن محاربات للوحش، الكثير من الفاعليات والأحداث والنشاطات التي تجدد طاقاتهن وتحثهن على المحاربة بقوة أكثر، كانت تسافر من الإسكندرية لمقر الجمعية في القاهرة، وتعود مشحونة بجرعات كبيرة من الأمل والتحدي، كنت أرى الأمر إيجابيًا، ولكن عندما سمعت عن عرض الأزياء لم أرَ أي شيء إيجابي.

 

قررت الجمعية أن تقيم عرض أزياء.. مصممون عالميون سوف يصممون أثوابًا للمحاربات مستوحاة من قصص حربهن مع المرض، ويقيمون حفلاً يتضمن عرض أزياء لتلك الأثواب، والعارضات هن المحاربات أنفسهن. حسنًا.. بصراحة شديدة كنت أرى في حالة السيدة التي أعرفها إسرافًا شديدًا، أكسسوارات وحذاء غالي الثمن وسفر للقاهرة بسيارة خاصة كي تستطيع المشاركة في الحفل، كيف يمكنها أن تضحي بجزء من دخلها في سبيل حضور الحفل؟ كنت أفكر بعملية وربما بعض القسوة، نحن نتعب كثيرًا في جمع مبلغ محترم لها كل فترة، ليس ضروريًا أن تنفق الأموال لتكون عارضة لمدة يوم واحد، لم أكن أفهم كيف سيساعدها هذا في أي شيء، كنت أرى أن الفلوس أهم، وكنت أرى أيضًا أن أي مبلغ سيتم صرفة في تلك الحالة هو هالك لا يجب أن يحدث.

 

ثم حدث أن رأيت صور حفل عرض الأزياء على الصفحة الرسمية للجمعية على الفيسبوك. حسنًا.. الآن يجب عليّ أن أعتذر بصدق عن كل أفكاري السابقة.

 

يا إلهي! ما كل هذا الجمال؟! فتيات وسيدات في أبهى صورهن، بعيدًا عن شكشكة التحاليل المستمرة وجرعات العلاج المؤلمة، بعيدًا عن الوجوه الشاحبة من أثر الألم، بعيدًا عن كل التعب والإرهاق وانتظار كلمات الأطباء المصيرية، يوم بلا مسكنات قوية ولا مواعيد أدوية صارمة، ولا انتظار المرحلة القادمة من المرض، يوم خارج حيواتهن المعتمة.

 

عرض الأزياء كان جميلاً جدًا، جعلني أخجل من تفكيري السابق؛ نعم الفلوس مهمة جدًا، ولكن ما قيمتها أمام أن تشعر تلك السيدة ليوم واحد أنها أميرة؟ ما أخجلني حقًا صورتان في منتهى الإنسانية، فتاة صغيرة لا تتعدى سبع سنوات، ترتدي فستانًا يشبه فستانين الأميرات مع جناحين ملائكيين، وصورة أخرى لشابة ترتدي ثوب زفاف أبيض. الصورتان كانتا كفيلتان أن أبكي خجلاً من نفسي.. “مش مهم الفلوس”، المهم أن الفتاتين في الصورة كانتا سعيدتان بشكل لا يصدق.

 

الكثير من الفساتين الجميلة، وأضواء ومكياج هادئ وسجادة حمراء يسيرن عليها بزهو، مئات الجنيهات التي كنت أرى أن على السيدة التي أعرفها أن توفرها لا يمكنها أن تشتري كل هذا الجمال والإبداع. صاحب الفكرة إنسان مبدع، فهم أن الجمال يمكنه أن يشتري لهن يومًا واحدًا من السعادة الخالصة، يومًا واحدًا يشعرن فيه أنهن جميلات جدًا، منتهى الإبداع والإنسانية التي عجز عقلي القاصر عن التفكير فيها، فكرت فقط في توفير النقود للأكل والاحتياجات الأساسية وتجاهلت أن الاحتياج الوحيد الأساسي حقًا هو الشعور بكل هذا الجمال.

 

احتاج المصممون لقدر كبير من الإبداع لصنع يوم بكل هذا الجمال، واحتاجت الجمعية لقدر كبير من الإنسانية لدعم هذا الحدث غير العادي، واحتاجت المحاربات لقدر كبير من القوة لمحاربة المرض والألم ليكُنَّ بكل هذا البهاء، واحتجت أنا لقدر كبير من الشجاعة لكتابة هذا المقال الذي أعتذر فيه عن تفكيري، والاعتراف بخطأ اعتقادي السابق أن النقود يجب توفيرها لما هو أهم.

 

أكتب هذا المقال اليوم كي أعترف لهن جميعًا أنهن كنَّ على حق، وأن الإنسانية جزء أساسي من الإبداع، وأن التفكير العملي يمكنه أن يكون قاسيًا في كثير من الأحيان، أشعر بالكثير من الخزي من نفسي؛ كيف فكرت للحظة أن النقود أهم من أن تشعر تلك السيدة ليوم كامل أنها جميلة وأنيقة وشجاعة ومحاربة قوية؟ كيف يمكن للنقود أن تعوِّض هذا الإحساس الذي لا بد عاشته وهي تسير بمنتهى الجمال مرتدية ثوبًا أنيقًا يشعرها أنها ملكة؟

 

أعترف اليوم أنني كنت عملية جدًا، وأن كل من فكر في عرض الأزياء هذا كان أكثر إنسانية وإبداعًا من أي شخص اعترض على إقامة هذا الحفل وكان يرى أن تلك الأموال التي تم صرفها  كانت ستفيد المريضات أكثر إذا كانت على هيئة مساعدات مادية.

 

نعم الفلوس مهمة، ولكن الإنسانية أهم، الإبداع أهم، تقدير الجمال أهم وأهم وأهم.

 

فيديو : لسه جميلة .. من فاعليات مؤتمر (السرطان .. من منظور المرضى)

 

صور فاعليات المؤتمر : أضغط هنا 

 

المقالة السابقةلنهدم طموحاتنا القديمة ونستمتع بالجديدة
المقالة القادمةمن بعض المعاناة يخرج النور والوَنَس
إنجي إبراهيم
كاتبة وصحفية مصرية

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا